محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
60
الآداب الشرعية والمنح المرعية
مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسرى به ما مر على ملأ من الملائكة إلا أمروه أن مر أمتك بالحجامة " 1 " . قال بعض أصحابنا : فلما احتجم من السم بقي أثره مع ضعفه لإرادة اللّه تكميل مراتب الفضل كلها له صلّى اللّه عليه وسلّم فظهر تأثير ذلك الأثر لما أراد اللّه إكرامه بالشهادة وظهر سر قوله تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [ سورة البقرة : الآية 87 ] . فجاء كَذَّبْتُمْ بالماضي لوقوعه وجاء تَقْتُلُونَ بالمستقبل لتوقعه كذا قال . وقال أبو البقاء وغيره إنما قال : ( تقتلون ) لتوافق رؤوس الآي . وقال المهدوي وغيره ليدل على أن ذلك من شأنهم أبدا وقد قال تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ سورة المائدة : الآية 67 ] . والمراد من القتل فلا يرد كونه أوذي أو أن الأذى كان قبل نزول الآية . ذكر ابن الجوزي وغيره هذين الجوابين . وهذه الآية توافق قوله عليه الصلاة والسّلام لليهودية : " ما كان اللّه ليسلطك على ذلك - أو - علي " كذا قالت اليهودية واليهود : إن كنت نبيا لم يضرك ، وعلى هذا فيكون ما روي من وجود الألم وانقطاع الأبهر من السم مرسل أو منقطع أو يقال أنه خلاف الأشهر فالقول بالأشهر المتفق على صحته أولى مع موافقته للكتاب العزيز . وصاحب القول الآخر يقول : هذه مرتبة كمال قد صحت بها الرواية ولا مانع من القول بها ، والمراد بالعصمة من القتل بالآية والخبر على وجه القهر والغلبة والتسليط وهذا لم يقع ، وأن المراد من ذلك أنه عليه الصلاة والسّلام محفوظ آمن مما لم يحفظ منه غيره ولم يأمن ولهذا في الصحيحين " 2 " من حديث جابر أنه لما نام وجاء أعرابي فاخترط سيفه فاستيقظ عليه السّلام والسيف في يد الأعرابي فقال : تخافني ؟ فقال : " لا " قال : فمن يعصمك مني ؟ قال : " اللّه " ولهذا مات بعض من أكل معه من الشاة ، وقصدت اليهودية أنه إن لم يكن نبيا أنه يموت ، وعاش هو عليه الصلاة والسّلام سنين على حاله قبل الأكل يتصرف كما كان فلم تقتله اليهود بفعلها كما قتلت غيره ، وأحسن اللّه سبحانه صنيعه إليه صلّى اللّه عليه وسلّم على جاري عادته تعالى ، فأظهر أثرا بعد سنين إكراما له بالشهادة ولا تعارض بين الأدلة في ذلك والتوفيق بينها أولى واللّه أعلم . فصل في السحر وعلاجه وحديث سحر لبيد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يهودي من يهود بني
--> ( 1 ) صحيح رواه الترمذي ( 2052 ) وابن ماجة ( 3477 ) وصححه الشيخ الألباني . ( 2 ) رواه البخاري ( 2910 ) ومسلم ( الفضائل / 843 ) بنحوه .